يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )

286

كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )

فاكهة مقطعة فلا يصلح أن يصير لحما ولا عظما ولا دما حتى يطبخ طبخا تاما متشابها أجراؤه ، فجعل اللّه المعدة على هيئة قدر فيقع فيها الطعام فتحتوي عليه فتنغلق ، فلا يزال لابثا فيها حتى يتم الهضم والنضج بالحرارة التي تحيط بالمعدة من الأعضاء الباطنة . إذ من جانبها الأيمن الكبد ومن الأيسر الطحال ، ومن قدام الترائب ومن خلف الصلب ، فتسري الحرارة إليها من تسخين هذه الأعضاء من الجوانب الأربع حتى ينطبخ الطعام ويصير مائعا متشابها يصلح للنفوذ في تجاويف العروق ، وعند ذلك يشبه ماء الشعير في تشابه أجزائه ورقته ، وهو بعد لا يصلح للتغذية ، فخلق اللّه تعالى بينه وبين الكبد مجاري من العروق وجعل لها فوهات كثيرة شعرية فتنتشر في أجزاء الكبد فينصب الطعام إلى الرقيق النافذ فيها وينتشر في أجزائها حتى تستولي عليه قوة الكبد ، فتصبغه بلون الدم ، فيستقر فيها ريثما يحصل له طباخ آخر ، وتحصل له هيئة الطعام الصافي الحاصل لغذاء الأعضاء ، إلا أن حرارة الكبد هي التي تنضج هذا الدم فيتولد منه فضلتان كما يتولد في جميع ما يطبخ ، إحداهما تشبه الدردي والعكر وهو الخلط السوداوي ، والأخرى تشبه الرغوة وهي الصفراء ولو لم تنفصل عنه الفضلتان فسد مزاج الأعضاء ، فخلق اللّه تعالى المرارة والطحال وجعل لكل واحد منهما عنقا ممدودا إلى الكبد داخلا في تجويفها ، فتجذب المرارة الفضلة الصفراوية ، ويجذب الطحال العكر السوداوي فيبقى الدم صافيا ليس فيه إلا زيادة رقة ورطوبة لما فيه من المائية ، ولولاها لما انتشر في تلك العروق الشعرية ولا خرج منها متصاعدا إلى الأعضاء ، فخلق اللّه الكليتين وأخرج من كل واحدة عنقا طويلا إلى الكبد . ومن عجائب حكمة اللّه تعالى أن عنقها ليس داخلا في تجويف الكبد إذا لو جذبت قبل ذلك لغلظ ولم يخرج من العروق . فإذا انفصلت منه المائية فقد صار الدم صافيا من الفضلات الثلاثة ، نقيا من كل ما يفسد الغذاء . ثم إن اللّه تعالى أطلع من الكبد عروقا ، ثم قسمها بعد الطلوع أقساما ، وشعب كل قسم بشعب ، وانتشر ذلك كله في البدن من الفرق إلى القدم ظاهرا وباطنا ، فيجري الدم الصافي ويصل إلى سائر الأعضاء حتى تصير العروق المنقسمة شعرية كعروق الأوراق والأشجار حيث لا تدرك بالأبصار ، فيصل منها الغذاء بالرشح إلى سائر الأجزاء . فإذا أخذ كل عضو ما احتاج ؛ من شعرة الرأس إلى ظفر القدم وبقي الثفل أرسل اللّه عليه الرياح فأخرجته من الجسد إذ لا نفع فيه ، بل لو بقي فيه لأضر به . فلذلك ينبغي أن يقول عند حاجة الإنسان : الحمد للّه الذي أخرج عني ما يؤذيني وأبقى في جسدي ما ينفعني .